السيد كمال الحيدري

206

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

قبال اتّجاهات أُخرى جئنا على ذكرها في مباحث التوحيد « 1 » .

--> ( 1 ) بالنسبة إلى مفاهيم العرش والكرسيّ وما يماثلهما كالكتاب المبين واللوح والقلم والميزان ، وغير ذلك ، شهد مسار الفكر الإسلامي عدداً من النظريات أو الاتّجاهات ، يمكن الإشارة إليها كما يلي : المنحى التعطيلي ، الذي يرى أصحابه بأنّ ارتياد البحث في هذه المفاهيم القرآنية والدينيّة بدعة ، وهو حرام شرعاً . لقد نشأت هذه النظرة ونمت في كنف اتّجاه من الصحابة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله متأثّرة بالمناخ الذي أشاعته مؤسّسة الخلافة والخطّ الذي انتهجته على الصعيد العلمي ، هذا الخط الذي يقضي بتعطيل البحث في هذه الجوانب من المعرفة الدينية ، والحؤول دون السؤال عنها ، وأحياناً فرض العقوبة على السائل . لا يخفى أنّ هذا المنحى التعطيلي لا يزال يحظى برصيد في واقع المسلمين الحاضر ، بما له من منظّرين وأنصار ، وإن كان يمضي إلى انحسار . يرجع هذا الموقف بالتحليل إلى رؤية تعطيلية مناهضة للعقل ، تحرم عليه حقّه في المعرفة ، وتحظر على الإنسان ممارسة ما جُبل عليه من غريزة البحث والتفكير ، كما أنّها تتقاطع بالكامل مع الكتاب والسنّة فيما حثّا عليه من تدبّر وتفكير . ثمّ نزعة نشأت في حياة المسلمين الفكرية لم تكن أقلّ خطلًا من سابقتها ، فقد برزت اتّجاهات في تاريخ الفكر الإسلامي حملت هذه الحقائق على ظاهر معناها ومصاديقها المادّية ، فالعرش مثلًا عند ذوي هذه النزعة مخلوق كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله جلاله مستوٍ عليه كاستواء ملوك البشر على عروشهم ، والكرسيّ مثله ! هؤلاء هم المشبّهة والمجسِّمة من المسلمين الذين نزلوا بحقائق التوحيد من مستواها التنزيهي الرفيع ، إلى واقع مادّي ضيّق ، وقد فاتهم أنّ القرآن والسنّة والعقل تجتمع على مناهضة رؤيتهم وتُقاطعها بالكامل ، وهي تنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه أو يشبهه في ذات أو صفة أو فعل . أمّا النظرية الثالثة فيتمثّل جوهرها في أنّه ليس هناك مصاديق أو حقائق / / خارجية اسمها العرش والكرسي واللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات والقلم والميزان وما إلى ذلك ، بل هي محض استعمال كنائي عن أُمور ، ف - استوى على العرش مثلًا هو كناية عن استيلائه سبحانه على عالم الخلق ، أو أنّ الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأُمور ، وهكذا من دون أن يكون وراء هذه الألفاظ حقائق واقعية موجودة في الخارج . يلتقي على هذه النظرية في الفكر العقيدي لفيفٌ من القدماء والمعاصرين ، وهي تواجه مشكلة أساسية في تفريغ النصّ الديني من دلالته على حقائق واقعية ومصاديق خارجية وراء هذه الألفاظ ، وتحوّله إلى إطار لفظي فارغ تمتلئ دلالته من الإيماءات والكنايات والمواضعات الاعتبارية . وربّما هذا ما يصلها مع نزعة حديثة نشأت في الفكر الأوروبي وتسلّلت إلى واقع فكر المسلمين تحت عنوان « الهرمينيوطيقا » لا تزال تثير كثيراً من الجدل والخلاف في تحديد مدلولها والمراد منها على وجه الدقّة . التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته : ج 2 ص 336 ، ج 1 ص 289 - 294 .